العالم المصري عزالدين الجلدكي
|
| الجلدكي: رائد الكيمياء ومخترع قانون النسب الثابتة. |
- مقدمة:
يعد الجلدكي واحدًا من أعظم علماء الكيمياء في التاريخ الإسلامي، إذ أسهم في تطوير علم الكيمياء وأسهمت مؤلفاته في تشكيل الفكر العلمي الحديث. لم يكن مجرد عالم كيمياء فحسب، بل كان أيضًا معلمًا لكبار العلماء مثل نيوتن وكيبلر وجاليليو، وابتكر قوانين ومبادئ لا تزال تُدرّس حتى اليوم. لقد كان رائدًا في مجاله، وكانت أعماله مصدر إلهام لكثير من العلماء في العصور الوسطى وما بعدها.
- نشأة الجلدكي ورحلة طلب العلم:
وُلد الجلدكي في القاهرة خلال عهد آل قلاوون، ونشأ محبًا للعلم منذ صغره. دفعه
شغفه إلى مغادرة مصر في رحلة علمية استمرت 17 عامًا، جاب خلالها العراق والأناضول
واليمن وشمال إفريقيا وسوريا، حيث تتلمذ على يد أعظم علماء عصره، واطلع على مختلف
العلوم، لا سيما الكيمياء. لم يكن طلبه للعلم مقتصرًا على الكيمياء فقط، بل امتد
ليشمل العلوم الطبيعية والفلك والرياضيات، مما جعله موسوعي المعرفة، قادرًا على
الربط بين التخصصات المختلفة.
- مؤلفاته وإسهاماته في الكيمياء:
ألف الجلدكي عشرات الكتب العلمية التي اعتُبرت من أعظم ما توصّل إليه العقل البشري في الكيمياء خلال العصور الوسطى. كان شغوفًا بجمع كتب العلماء القدامى، وتحليلها وتعليقها، مما أسهم في حفظ الكثير من التراث الكيميائي. ومن أبرز إنجازاته:
- وضع قانون النسب الثابتة: في الاتحاد الكيميائي، وهو القانون الذي استند إليه لاحقًا كل من نيوتن وكيبلر وجاليليو، قبل أن يُنسب خطأً إلى جوزيف بروست الذي وُلد بعده بخمسة قرون. هذا القانون يُعد من أهم الأسس التي يقوم عليها علم الكيمياء الحديث.
- تطوير طريقة لفصل الذهب عن الفضة: باستخدام حمض النيتريك، وهي الطريقة التي لا تزال مستخدمة حتى اليوم. كان لهذا الاكتشاف أثر بالغ في تقدم علم المعادن واستخراج الفلزات النقية.
- ابتكار أساليب للوقاية في المعامل الكيميائية:، حيث كان أول من فكر في استخدام الكمامات لحماية الكيميائيين من الغازات السامة الناتجة عن التفاعلات. كان هذا الابتكار ثورة في مجال السلامة المهنية.
- إجراء دراسات عميقة على الأحماض والقلويات:، مما مكّنه من تحسين طرق صناعة الصابون، وهو من الصناعات الأساسية التي كان لها تأثير اقتصادي كبير.
- تطوير طرق التقطير: التي ما زالت مستخدمة حاليًا، مثل أوراق الترشيح والتقطير تحت الحمام المائي والتقطير المزدوج. هذه العمليات أساسية في الصناعات الدوائية والكيميائية اليوم.
- ملاحظة تأثير الاحتراق على الألوان:، حيث كان أول من أشار إلى أن المادة تعطي لونًا مميزًا عند احتراقها، وهو مبدأ أساسي في الكيمياء الحديثة، ويستخدم اليوم في تحليل المواد والعناصر.
- إجراء بحوث في علوم أخرى:، مثل الميكانيكا، وعلم الصوت، وحركة التموج الهوائي والمائي. لم يكن الجلدكي مهتمًا بالكيمياء فحسب، بل كان شغوفًا باستكشاف الظواهر الفيزيائية من حوله.
- الجانب الإنساني للجلدكي:
لم يكن الجلدكي عالمًا فحسب، بل كان أيضًا إنسانًا كريمًا وورعًا، عُرف بحبه لنشر العلم ورعاية طلابه. كان منزله بمثابة أكاديمية علمية مفتوحة، يستقبل فيها الباحثين وطلاب العلم، ويجيب على استفساراتهم في الكيمياء والعلوم الأخرى. كان يؤمن بأن العلم يجب أن يكون متاحًا للجميع، وكان يُشجع طلابه على التجربة والاكتشاف بأنفسهم.
- معرفته بالتركيب الإلكتروني للذرة:
أدرك الجلدكي مفهوم تركيب الذرة بطريقة قريبة من التصورات الحديثة، إذ شبّهها بالمجموعة الشمسية في شعره، مما يعكس مدى تقدّمه في فهم بنية المادة قبل اكتشافات الفيزياء الحديثة. هذا التصور يُظهر مدى عبقريته في التفكير العلمي، وقدرته على استنتاج مفاهيم متقدمة قبل عصرها.
- إرثه وتأثيره في العلم:
انتشرت مؤلفاته في مكتبات العالم، إلا أن معظمها لا يزال في صورة مخطوطات غير مطبوعة. يعتبره المؤرخون ثاني أعظم عالم كيمياء مسلم بعد جابر بن حيان، وأعظم عالم كيمياء مصري وأفريقي على مر التاريخ. لقد أسهمت أعماله في تشكيل علم الكيمياء الحديث، وظل تأثيره واضحًا لقرون طويلة.
- تأثير الجلدكي في العلماء الغربيين:
لقد استند العديد من العلماء الغربيين إلى أبحاث الجلدكي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. كان نيوتن وكيبلر وجاليليو من بين العلماء الذين استفادوا من نظرياته ومؤلفاته، مما يدل على مدى تأثيره العميق في الفكر العلمي العالمي. ومع ذلك، لم يُمنح الجلدكي حقه الكامل في التاريخ الغربي، حيث نُسبت بعض اكتشافاته لعلماء أوروبيين جاءوا بعده.
- الكتب التي ألفها الجلدكي:
ترك الجلدكي وراءه مجموعة هائلة من الكتب التي تناولت مواضيع مختلفة في الكيمياء والعلوم الطبيعية. من أشهر كتبه:
- "نهاية الطلب في شرح المكتسب في زراعة الذهب"
- "المصباح في علم المفتاح"
- "غاية السرور في شرح نظم البلور"
- "البرهان في أسرار الميزان"
- الخاتمة:
إنجازات الجلدكي لا تزال تُلهم العلماء حتى يومنا هذا. لقد كان سابقًا لعصره، ومؤلفاته ساهمت في بناء أسس علم الكيمياء الحديث. وبينما يُنسب العديد من اكتشافاته إلى علماء غربيين، إلا أن الحقيقة تظل أن هذا العالم المسلم هو الأب الحقيقي للعديد من المفاهيم الكيميائية التي نعتمد عليها اليوم. إن الإرث الذي تركه الجلدكي يستحق المزيد من التقدير والاهتمام، ليس فقط في العالم الإسلامي، بل في جميع أنحاء العالم.
المصدر : تطبيقات في الكيمياء الصناعية صفحة ١


