recent
أخبار ساخنة

(الجزء الثالث) محمد بن أسلم الغافقي: رائد طب العيون ومساهمته في تطويره

 الجزء الثالث من قصة محمد بن أسلم الغافقي:



الجزء الثالث من القصة

الذهاب للجزء الاول

الذهاب للجزء الثانى

تكملة القصة: 

يعطي الغافقي في كتابه "المرشد في الكحل" معلومات نفيسة حول علاقة العين بالمزاج والعالم الخارجي، فنراه يصف العين الزرقاء مثلا بأن مزاجها بارد يابس، ونظرها أقوى بالليل من النهار، وينطبق هذا على أعين المشايخ والمسنين عندما تميل أعينهم نحو الزرقة، أما العين الكحلا (السوداء) فهي أكثر حرارة ورطوبة ولذلك أكثر ما يعرض لها علل البخارات وعلل الماء لكثرة رطوبتها؛ وكلما كانت العين أشد سوادا كلما كانت أكثر حرارة ورطوبة، وأحد أدلته على ذلك أهل الحبشة؛ 


فإن أعينهم سوداء لأن الغالب على بلادهم الحرارة. فلاحظ أيها القارئ الكريم عظمة هذا الطبيب الفاضل وعلو همته، فهو ينتقل من تشريح العين وخصائصها وأمراضها وأمزجة أصحابها، وصولا إلى ربط لون العين بالجغرافيا والمناخ، وبغض النظر عن التقدم العلمي الذي حصل في ميدان طب العيون بعد الغافقي؛ فإن كتابه "المرشد في الكحل" يعتبر بحق كتابا موسوعيا مستوعبا لما قبله ومتفوقا على عصره ومستشرفا لمستقبل صناعة طب العيون في الأندلس، وما شهادة لجنة مناقشة أطروحة حسن علي حسن في حق الغافقي إلا دليل على ما أقرره في هذا المقام المبارك.


يشرح لنا الغافقي كذلك كيف أن مزاج العين ومزاج غيرها من أعضاء الجسم، يتغير حسب عدة ظروف: السن والجنس ومكان الإقامة والعادة والمهنة. ويقول الغافقي إن كحولة العين تكون من سبعة أسباب: نقصان النور الباصر؛ كدورة النور الباصر، صغر الرطوبة الجليدية، انخفاض الرطوبة الجليدية، كثرة الرطوبة البيضية، تكاثف الطبقة العنكبوتية وغلظ الطبقة العينية. أما أضداد هذه الأسباب السبعة فتعطي اللون الأزرق.


أما المقالة الثانية من كتاب "المرشد في الكحل" فيقسمها الغافقي إلى تسعة أبواب هي: في جملة الكلام على أعضاء العين؛ في ذكر أعصاب العين؛ في صفة العروق غير الضوارب؛ في صفة العروق الضوارب؛ في صفة عضلات العين؛ في صفة العين؛ في صفة حاسة البصر؛ في صفة الروح النفساني؛ في ذكر القوى الطبيعية.


يقول ابن أسلم الغافقي في مقدمة المقالة: "إن الطبيعة احتاجت لتركيب العين من أعضاء كثيرة مختلفة الجوهر والكيفيات، ذلك أن العين جعل لها العروق الضوارب لتمدها بالحياة وتوصل إليها الروح النفساني ولو لم يكن لها عروق ضوارب، لكانت العين جامدة غير متحركة، وجعل لها أعصاب لتوحي لها قوة الحس، وجعل لها عضلات لتحركها يمنة ويسرة وإلى فوق وإلى أسفل، وجعل لها رباطا كيلا تزول العين من موضعها بكثرة حركاتها، وجعلت خفية ليسرع هروبها من الأشياء الواردة عليها من خارج، وجعلت في أعلى البدن لتشرف على القريب والبعيد". ثم يحدثنا الغافقي عن العصب البصري فيقول: "هناك عصبان مجوفان، ينشآن من مقدمة الدماغ، 


من موضع الزائدتين الشبيهتين بحلمتي الثديين، اللتين بهما تكون حاسة الشم، وعندما يصلان إلى منبت المِنخرين، يتصلان، وذلك حتى إن عرضت آفةٌ على إحدى العينين، يتحول النور إلى العين الأخرى، بعد ذلك ينفصلان، والعصب الذي منْبتُه الجهة اليمنى من الدماغ يذهب إلى العين اليمنى، والآخر يذهب إلى العين اليسرى، وعندما يصل العصب إلى العين، يتعرض وينبسط ويتشابك حول الرطوبة الزجاجية ويأتيها بحاسة البصر". فأنت تلاحظ أيها القارئ الكريم دقة هذا الرجل في الوصف، وتعمقه في التفاصيل، كما يبدو من كتابته حبه لميدان اشتغاله وحرصه على التوضيح والتبسيط من داخل التعقيد وفق قواعد المنهج الذي يربط العلم بالعمل مثلما بسط الغافقي نفسه ذلك كما مر معنا.


ويخصص ابن أسلم الغافقي المقالة الرابعة لدراسة أمراض العين. فيقول أن الضرر ينال حاسة البصر على ثلاثة أوجه: فقدان النظر كلية أو العمى؛ نقصان النظر: غشاوة وظلمة أو خروج النظر عن طبيعته: فيرى الإنسان أشياء ليست موجودة في الطبيعة.


ويفيدنا الدكتور حسن علي حسن في مقاله حول الغافقي (ص: 151): أن ابن أسلم الغافقي يختتم المقالة الرابعة من كتابه بباب يسميه "الموفي" أي المكمل لما سبق، وقد عرض فيه الدلائل التابعة للأمراض، فهناك دلائل تشير إلى وجود مرض، ودلائل تشير إلى الصحة، ودلائل تشير إلى حالات ليست بصحة وليست بمرض، وكل نوع من هذه الدلائل:

  • إما أن يشير إلى شيء مضى وانتهى (دلائل مذكِّرة): فمثلا البياض الحادث في العين يدل على وجود قرحة قديمة.
  • إمّا يشير إلى شيء حاضر (دلائل دالّة): مثال الأرماد والسبل والظفرة؛ فإنها تدل على نفسها لا على غيرها.
  • إمّا يشير إلى شيء قد يحصل في المستقبل، ويقال لها النذر، مثال ذلك، الخيالات التي تنذر بنزول الماء: -Cataracte.


أما المقالة الخامسة فيخصصها الغافقي للأدوية وكيفية تحضيرها، وعن الألوان التي تفيد أو تضر النظر.


ولا يتسع المقام هنا للتفصيل في الأدوية والعقاقير المتعلقة بأمراض العين وما ارتبط بها من صداع وشقيقة وغيرها، فإن المقالات المخصصة لذلك في كتاب "المرشد في الكحل" مفيدة وغزيرة بحيث أن تخصيص دراسة خاصة بذلك يبدو أمرا ملحا ومفيدا.


وفاة محمد بن أسلم الغافقي:

توفي ابن أسلم الغافقي على الأرجح في النصف الثاني من القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي، وحدد الزركلي في الأعلام تاريخ وفاته بسنة 560هـ / 1165م.


احتفال قرطبة بالغافقي:

وبقى لنال أن نذكر أن تراث هذا العالم الفذ في ميدان طب العيون لازال يثير اهتمام الباحثين على مستوى عالٍ. وجدير بالذكر أن هناك نظارات بالإسبانية تدعى"Gafas"وهي كلمة ذات أصل عربي مشتقة من اسم مؤسس طب العيون الطبيب الأندلسي"الغافقي محمد بن أسلم".


وقد كرًّمت حكومة قرطبة محمد بن أسلم الغافقي، بمناسبة الذكرى المئوية الثامنة من وفاته، في عام 1965م، وشيّدت له تمثال نصفي وفاءً له، في ساحة ديل كاردينال سالازار بقرطبة. رحمه الله ونفعنا بعلمه وجازاه عن الإنسانية خيرا.


خاتمة:

تقدم محمد بن أسلم الغافقي لتتمكن من الاتصال بطب العيون، حيث ابتكرت تقنيات وأساليب مبتكرة للعلاج. ألف كتب معرفية قيمة وثائقت مها وأسهمت في تقدم الطب. للبدء في تعلم كيفية تشخيص الأمراض بدقة. وقد كانت مرجعه مرجعًا للأطباء عبر العصور. سيظل اسمه خالدًا في تاريخ الإنجازات المؤثرة.

الذهاب الى الاجزاء السابقة:





(الجزء الثالث) محمد بن أسلم الغافقي: رائد طب العيون ومساهمته في تطويره
غير معرف

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent