الجزء الثانى من قصة محمد بن أسلم الغافقي:
وفي الواقع فإن لجنة المناقشة أبدت، بكافة أعضائها، وهم من كبار أساتذة وجراحي طب العيون في مدريد- أسفها لبقاء عمل ابن أسلم الغافقي مجهولا حتى تاريخه، وأبدوا رغبة في إظهار عمله للنور، ذلك أنهم أعجبوا فعلا بعطاء ذلك الطبيب الإسباني!! كما يقولون، في مجال طب العين والطب العام أيضا. فقد أثنوا على تفوقه، وبخاصة على كونه سبق عصره حول نقاط عديدة ثم إنهم وافقوا على أن العديد من عطاءاته هي كشوفات فعلا، وما تزال حتى اليوم صائبة.
مؤلفات محمد بن أسلم الغافقي:
ألّف الغافقي كتاب "الأدوية المفردة" فى العقاقير والأعشاب، وقد ضاع أصله ولم يبق لنا إلا مختصر له عمله ابن العبري نشره ماكس مايرهوف عام 1933م. وقد ترجم أيضًا مايروهوف للغافقي مؤلفه الشهير "المرشد فى الكحل" وهو أهم كتاب للغافقي، الذى ينتقل فيه من تشريح العين وخصائصها وأمراضها وأمزجة أصحابها، وصولًا إلى ربط لون العين بالجغرافيا والمناخ، كما تحدث عن أسباب ضعف النظر، وأسباب إنعدام الرؤية نهائيًا، وبعض الأمراض وعلاجها كالرمد، وبياض العين والقرحة. كما برع الغافقي في عمليات إزالة المياة البيضاء من العين "الساد Cataract".
كما أن له مؤلفات أخرى فى طب العيون والأورام والحميات، منها:
- كتاب "الأدوية والمفردات" اختصره ابن العبري، وترجم إلى العبرية واللاتينية.
- "جامع المفردات" وقد اختصر في "المنتخب" بواسطة ابن العبري، وتوجد منه عدة مخطوطات.
- "منتخب الغافقى في الأدوية المفردة".
- كتاب "الأعشاب والنباتات الطبية".
التعريف بكتاب المرشد في الكحل
يعد كتاب ابن أسلم الغافقي من أهم المصادر والمراجع في تاريخ علم طب العيون، أسماه "المرشد في الكحل"، وقد تم الاحتفاظ بالمخطوطة الأصلية في مكتبة متحف الإسكوريال الشهير. والكحل بمعناه العام الشامل هو تلك المواد التي توضع بين الجفنين بواسطة "ميل"، لكنه بالمعنى الطبي الصيدلاني الخاص، الكحل هو مادة معدنية تركيبها -sulfate d’antimoine-، ويطلق اسم الكحّال على الطبيب الذي يعرف وضع الكحل -بالمفهوم العام- واستعماله، أي طبيب العيون.
يقسم الغافقي مخطوطته "المرشد في الكحل" إلى ستة أقسام أو سبع مقالات؛ تتألف كل مقالة من عدة فصول، وكل فصل مقسم إلى عدة دروس مميزة فيما بينها بحروف كبيرة. وتتميز المخطوطة بترتيب منطقي رائع، وتسلسل الفصول يبين على نضج منهجي كبير عند صاحبنا ابن أسلم، وهو يبدي رأيه في كل الأمور ويدعمه بالبرهان معتمدا على تجربته الكبيرة العلمية والعملية؛ وثقته بنفسه كبيرة -كما نستفيد من أطروحة حسن علي حسن- لدرجة أنه يجرؤ على انتقاد المشاهير في عصره وما قبله.
من مميزات كتاب "المرشد في الكحل" لابن أسلم الغافقي أن به شرح واسع وكامل عن كل ما يتعلق بطب العيون، بحيث خصص الغافقي 55 فصلا لدراسة: تركيب أعضاء العين، أمراض العين وعلاجاتها.
يقول حسن علي حسن في مقاله سابق الذكر (ص: 143 - 144): "يبدأ الغافقي كتابه بذكر الأسباب التي دفعته للقيام بموسوعته، ومن ذلك أنه لم يكن يجد كتابا في الطب يجمع كل ما يحتاجه المرء حول العين من علم وعمل، ثم يعطي موجزا عن محتوى المقالات الست التي يتألف منه عمله، وبعد السرد ينتقل إلى شرحها بالتفصيل. يقسم الغافقي المقالة الأولى إلى أربعة أبواب: في وصايا أبقراط، في شرف الصناعة، في الاسطقسات (أبسط الأجسام المركبة)، في مزاج العين.
حول وصايا أبقراط، يورد النص الكامل الذي تناقلته الكتب القديمة عن أبي الطب، موجها كلامه لولده، ثم ينتقل للتحدث عن شرف الصناعة، وكيف أن الطب هو أفضل وأشرف من جميع الصناعات وأعظمها نفعا. فالطب هو معرفة الأشياء المتصلة بالصحة وبالمرض، وبالحال التي ليست بصحة ولا مرض. ثم يستعرض بشكل سؤال وجواب جملة من المسائل تتعلق بتعريف العين، ووضعها وأشعار الأجفان وميزاتها إلخ .. وبعدها ينتقل للتحدث حول الطب فيقسمه إلى قسمين: علم وعمل.
أولا: العلم ينقسم بدوره إلى ثلاثة أقسام:
- العلم بالأمور الطبيعية وهي سبعة: الاسطقسات، المزاج، الأخلاط، الأعضاء، القوى، الأفعال والأرواح.
- العلم بالأمور التي ليست بطبيعية وهي ستة: الهواء، الطعام والشراب، الحركة والسكون، النوم واليقظة، الاستفراغ وأخيرا الاحتقان.
- العلم بالأمور الخارجة عن الطبيعة وهي ثلاثة: الأمراض، أسبابها، وأعراضها.
ثانيًا: أما العمل عند محمد بن أسلم الغافقي فينقسم إلى قسمين:
- حفظ الصحة على الأصحاء، وإذا طبق هذا على العين تستخلص من ذلك ثلاثة أنواع:
- حفظ الصحة على العيون التي لم يمس من صحتها شيء؛ حفظ الصحة على العيون التي ابتدأت تحيد عن الصحة؛ وحفظ صحة العيون الضعيفة مثل عيون الأطفال والمسنين.
- مداواة الأمراض، تتم بوسيلتين: الأغذية والأدوية، وبالجراحة: وهذه تكون إما باللّحم، أو بالعظم، أو بالعروق الضوارب وغير الضوارب.
